الشنقيطي
263
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وقوله : وفيئهم مبتدأ خبره لخير مرسل ، وقوله : والفيء في الأنفال إلخ كلام اعتراضي بين المبتدأ والخبر بين به الفرق بين الغنيمة والفيء ، وعلى هذا القول فلا إشكال في الآيات ، لأن آية * وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ ذكر فيها حكم الغنيمة ، وآية ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ [ الحشر : 7 ] ذكر فيها حكم الفيء وأشير لوجه الفرق بين المسألتين بقوله : فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا [ الحشر : 6 ] أي فكيف يكون غنيمة لكم ، وأنتم لم تتعبوا فيه ولم تنتزعوه بالقوة من مالكيه . وقال بعض العلماء : إن الغنيمة والفيء واحد ، فجميع ما أخذ من الكفار على أي وجه كان غنيمة وفيء ، وهذا قول قتادة رحمه اللّه وهو المعروف في اللغة ، فالعرب تطلق اسم الفيء على الغنيمة ، ومنه قول مهلهل بن ربيعة التغلبي : فلا وأبي جليلة ما أفأنا * من النعم المؤبل من بعير ولكنا نهكنا القوم ضربا * على الأثباج منهم والنحور يعني أنهم لم يشتغلوا بسوق الغنائم ولكن بقتل الرجال فقوله : أفأنا : يعني غنما ، ويدل لهذا الوجه قوله تعالى : وَما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ [ الأحزاب : 50 ] ، لأن ظاهر هذه الآية الكريمة شمول ذلك لجميع المسبيات ولو كن منتزعات قهرا ، ولكن الاصطلاح المشهور عند العلماء هو ما قدمنا من الفرق بينهما ، وتدل له آية الحشر المتقدمة . وعلى قول قتادة فآية الحشر مشكلة مع آية الأنفال هذه ، ولأجل ذلك الإشكال قال قتادة ، رحمه اللّه تعالى : إن آية * وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ الآية ، ناسخة لآية وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ [ الحشر : 6 ] الآية ، وهذا القول الذي ذهب إليه - رحمه اللّه - باطل بلا شك ، ولم يلجىء قتادة - رحمه اللّه - إلى هذا القول إلا دعواه اتحاد الفيء والغنيمة ، فلو فرق بينهما كما فعل غيره لعلم أن آية الأنفال في الغنيمة ، وآية الحشر في الفيء ، ولا إشكال . ووجه بطلان القول المذكور : أن آية * وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ الآية نزلت بعد وقعة بدر ، قبل قسم غنيمة بدر بدليل حديث علي الثابت في صحيح مسلم ، الدال على أن غنائم بدر خمست ، وآية التخميس التي شرعه اللّه بها هي هذه ، وأما آية الحشر فهي نازلة في غزوة بني النضير بإطباق العلماء ، وغزوة بني النضير بعد غزوة بدر بإجماع المسلمين ، ولا منازعة فيه البتة ، فظهر من هذا عدم صحة قتادة رحمه اللّه تعالى ، وقد ظهر لك أنه على القول بالفرق بين الغنيمة والفيء لا إشكال في الآيات ، وكذلك على قول من يرى أمر الغنائم والفيء راجعا إلى نظر الإمام ، فلا منافاة على قوله بين آية الحشر ، وآية التخميس إذا رآه الإمام ، واللّه أعلم . * * *